أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
114
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
القول ، وكذلك التحاور والحوار ، ومنه : وَهُوَ يُحاوِرُهُ « 1 » وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما « 2 » أي : ترادّكما القول ، ومنه أيضا : كلّمته فما رجع إلى حوار أو حوير أو محورة وما يعيش بحور أي : بعقل يرجع إليه ، و « الحور » : ظهور قليل بياض في العين من السواد ، وذلك نهاية الحسن في العين يقال منه : أحورت عينه ، والمذكر أحور ، والمؤنثة حوراء ، والجمع فيهما حور ، نحو : حمر في جمع أحمر وحمراء ، وقيل : سمّيت الحور حورا لذلك وقيل : اشتقاقهم من نقاء القلب وخلوصه وصدقه ، قاله أبو البقاء ، وهو راجع للمعنى الأول من خلوص البياض ، فهو مجاز عن التنطيف من الآثام وما يشوب الدين . والياء في حواريّ وحواليّ ليست للنسب بل زائدة كزيادتها في كرسيّ . وقرأ العامة : « الْحَوارِيُّونَ » بتشديد الياء في جميع القرآن ، وقرأ الثقفي « 3 » والنخعي بتخفيفها في جميع القرآن ، قالوا : لأن التشديد ثقيل ، وكان قياس هذه القراة أن يقال فيها : الحوارون ، وذلك أنه تستثقل الضمة على الياء المكسور ما قبلها فتنقل ضمة الياء إلى ما قبلها فتسكن الياء ، فيلتقي ساكنان فتحذف الياء لالتقاء الساكنين ، وهذا نحو : جاء القاضون ، الأصل : القاضيون ، ففعل به ما ذكر . قالوا : وإنما أقرّت ضمة الياء عليها تنبيها على أن التشديد مراد لأن التشديد يحتمل الضمة كما ذهب الأخفش في « يستهزيون » إذ أبدل الهمزة ياء مضمومة ، وإنما بقيت الضمة تنبيها على الهمزة [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 53 إلى 55 ] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) وقوله تعالى : مَعَ الشَّاهِدِينَ : حال من مفعول « اكتبنا » وفي الكلام حذف أي : مع الشاهدين لك بالوحدانية . قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ : من باب المقابلة ، أي : لا يجوز أن يوصف اللّه بالمكر إلا لأجل ما ذكر معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به . وهذا كما تقدّم في الخداع « 4 » . وهكذا قيل ، وقد جاء ذلك من غير مقدمة في قوله : فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ « 5 » . والمكر في اللغة أصله الستر . يقال : مكر اللّيل : أي أظلم وستر بظلمته ما فيه ، وقالوا : واشتقاقه من المكر وهو شجر ملتفّ تخيّلوا فيه أنّ المكر يلتفّ بالممكورة به ويشتمل عليه ، وامرأة ممكور الخلق أي : ملتفّة الجسم ، وكذا ممكورة البطن ، ثم أطلق المكر على الخبث والخداع ، ولذلك عبّر عنه بعض أهل اللغة بأنه السعي بالفساد . قال الزجاج : « هو من مكر الليل وأمكر أي أظلم » . وقد عبّر بعضهم عنه فقال : هو صرف الغير عمّا يقصده بحيلة ، وذلك
--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 34 ) . ( 2 ) سورة المجادلة ، آية ( 1 ) . ( 3 ) هو أحمد بن حماد المنقى أبو بكر الثقفي البغدادي صاحب المشطاح انظر غاية النهاية 1 / 15 . ( 4 ) انظر ذلك في تفسير سورة البقرة ، آية ( 9 ) . ( 5 ) سورة الأعراف ، آية ( 99 ) .